الثوابت والمتغيرات

تقديـــم :

يتميز المجتمع السعودي بأنه عربي وإسلامي ؛ فهـو عربي اللغة والعـــادات والتقاليد ، إسلامي الشريعة والعقيدة ، وبعض المجتمعات قد تأخذ أو تترك بعض عروبتها أو كلها ، فتتلون بلون آخر في اللسان والعادات والتقاليد فتفقد بعضًا أو كثيرًا أو قليلاً من عروبتها ، فتكون ناقصة الانتماء العربي أو تترك شيئاً من إسلاميتها ، فتوجد شريعة أخرى أو عقيدة فيها من التشوهات والشوائب ما فيها ، فتكون هذه المجتمعات ناقصة الإسلامية أو منحرفة عنها ، ما يميز المجتمع السعودي أنه عربي اللغة ، عربي العــــادات ، عربي التقاليد ، إسلامي الشريعة ، إسلامي العقيدة ، إسلامي المنهج ، لا ينحرف في قليل أو كثير عن عروبته وعن إسلامه.

وقد ساعد في التمسك بهذين الانتماءين عروبته وإسلامه  مجموعة من الأمور : أنـــه مجتمع نشــأ على أرض عربية لم تتعرض لغزو أو احتلال أجنبي طوال تاريخها الحديث، وأنه مهبط الوحي ومبعث الرسالات السماوية ، وكان خاتمها دين الإسلام ، ثم توالت على المجتمع السعودي قيادات إسلامية عربية تنتمي إلى هذه الأرض ، وتتأسى بصفاتها وخصالها ، وتستمد من إسلامها وعروبتها كل عون ومدد ، فتوجهت بالمجتمع الوجهة التي تعود به إلى ذاته العربية ، وإلى عقيدته الإسلامية ، فلم ينحرف بالمجتمع عن هذين السمتين قيد أنملة حتى الآن على الرغم من كل التحولات التي تحدث من حولنا في المحيط الدولي والعالمي .

هذه المقالة عن المجتمع السعودي تهدف فيما تهدف إلى إبراز أهم الخصائص التي يتميز بها المجتمع السعودي ، من خلال إلقاء نظرة سريعة ومختصرة عن تاريخ المملكة العربية السعودية ، من حيث نشأتها الحديثة وتوحيدها على يد الملك عبدالعزيز بن سعود – رحمه الله – ومن ثم ترصد أهم التغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي خلال هذه المرحلة حتى الآن ، وأسباب هذه التغيرات وآثارها الحاضرة والمستقبلية على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع أجمع ، ومن ثم الاستنتاج والتنبؤ بما يمكن أن يكون عليه مستقبل هذا المجتمع الذي أسرع الخطى إلى آفاق وآمال القرن الواحد والعشرين عبر معدلات تنمية اقتصادية واجتماعية قل نظيرها في التاريخ المعاصر .

النشأة والتوحيد :

تعود الجذور التاريخية البعيدة المدى للدولة السعودية إلى حوالي عام 1744 ميلادية؛ وذلك عندما قام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالتحالف مع رئيس الأسرة السعودية في ذلك الوقت وهو الأمير محمد بن سعود ، هذا التحالف الذي أدى فيما بعد إلى الامتداد إلى أرجاء الجزيرة العربية كافة ، هذا التحالف بين الشيخ والأمير أدى إلى قيام نوع من الاندماج بين السلطة والعقيدة والشريعة، فأما الحكم السياسي فقد أفاد من إمارة آل سعود في الدرعية ، والدعوة الإسلامية أفادت من الدعوة الإصلاحية فيما اصطلح عليها تسمية دعوة الشيخ محمد بن  عبدالوهاب .

ويعود تاريخ الدولة السعودية الحديثة إلى عام  1902 ميلادية ؛ وذلك عندما استطاع عبدالعزيز آل سعود ( 1881–1953م ) حكم الرياض مستردًا إياها من قبضة أسرة آل رشيد المنافسة آنذاك(1).

ويحسن بنا – ونحن نبحث في نشأة الدولة السعودية الحديثة – أن نستعرض الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزيرة العربية حتى يتسنى لنا فهم طبيعة التغيرات التي أحدثتها نشأة الدولة الحديثة في هذا المجتمع وحجمها .

فمن الناحية الاجتماعية كان يغلب على الجزيرة العربية الطابع القبلي ؛ فبعض القبائل أو فروعها استقرت في مراكز حضرية وكوّنت ما يطلق عليه اسم الحضر ، والباقي استمر على حالته البدوية وكوّن  ما يطلق عليه اسم البدو ، وعلى كل فقد كان كل منهما – الحضر والبدو – يعدون أنفسهم منحدرين من أصول قبلية ، وذلك كمصدر للذاتية ومدعاة للفخر ، صحيح أن استقرار الحضر في مراكز حضرية غيّر من بعض صور النشاط الاقتصـــادي لهم ، لكن ذلك لم يؤثـــر كثيرًا في ارتباطاتهم القبلية – أو ادعائهم ذلك على الأقل – وفخرهم بالانتماء إلى أصول قبلية . وهذا شيء طبيعي في ظل عدم وجود دولة مركزية ذات سيادة لها مؤسسات إدارية وسياسية حديثة؛ إذ الولاء في هذه الحالة يكون موجهًا نحو الوحدة الاقتصادية والاجتماعية الرئيسة ، ألا وهي القبيلة ، كما أن هذه القبيلة تحقق تغطية ذاتية للفرد في حالة عدم وجود هذه التغطية من مصادر أخرى مثل الدولة أو الحزب أو التنظيم السياسي ، وقد كانت الرابطة القبلية أوضح ما تكون في منطقة نجد وعسير ، لكن هذه الرابطة تختفي إلى حد ما في منطقة الحجاز ؛ وذلك نتيجة طبيعية لانفتاح المنطقة على العالم الخارجي عن طريق قوافل الحجيج التي تأتي بالوفود من مختلف مناطق العالم ، هذا الاجتماع السنوي العالمي الذي يضم آلاف المسلمين وفدوا من مناطق مختلفة وثقافات ولغات مختلفة ليجتمعوا معًا في الأماكن المقدسة مكة المكرمة والمدينة المنورة جعل أهل الحجاز مجتمعًا أكثر مدنية وتحضرًا من غيرهم كما جعلهم أقل ارتباطًا قبليًا .

وقد كان الانتماء إلى القبيلة في مجمله مصدرًا لتحقيق الذاتية للفرد سواء كان حجازيًا أو نجديًا ، من أجل ذلك كان أولئك الذين لا ينتمون لقبيلة معينة سواء عند الحضر أو البدو يعدون غير ذوي أهمية ، وذلك في نظر المنتمين إلى قبيلة معينة ، وكثيرًا ما كانت تسند إليهم الأعمال اليدوية والأنشطة التي ينظر إليها نظرة دونية وفق الثقافة القبلية ، وكانت هذه الفئة كثيرًا ما تسكن أحياء خاصة بها في مدن الجزيرة بشكل عام وفي منطقة نجد بشكل خاص .

ومن الناحية الاقتصادية كان الحضر يمارسون التجارة في المدن والزراعة في القرى والواحات ، أما الأنشطة اليدوية الحرفية فقد كان يمارسها معظم الحضر الذين لا روابط قبلية لديهم ، أما البدو فقد كانت أنشطتهم الاقتصادية قائمة على الرعي وتربية المواشي من ناحية ، ومن ناحية أخرى فقد كانوا يغيرون على القوافل التجارية للحضر أو يَغزو بعضهم بعضًا .

ومن هنا فإنه يبدو أن الحضر كانوا يميلون إلى الاستقرار ، ويسعون إلى تحقيق الأمن والسلام وهيمنة النظام وسيادة القانون ؛ إذ إن ذلك يحقق لهم النجاح في نشاطهم التجاري والزراعي ، أما البدو فإن السلم والاستقرار لا يحقق أهدافهم ؛ لأن النشاط الاقتصادي المعتمد لديهم سواء كان رعيًا أو سلبًا كان قائمًا على الغزو والمباغتة ، كما كان نشاطهم ذا طبيعة غير مستقرة ، ومن ثم كانت أهداف البدو مرتبطة بعدم سيادة السلم وعدم استمرار الاستقرار .

والخلاصـــة أن نجد قبل قيــــام دولة مركزية بها كان حالة من ” حرب الكل على الكل”(2) ، وهذه الحالة قد أحدثت نوعًا من التفاهم بين الحضر والبدو، تمثل في قيام تحالفات معينة قائمة على أسس مالية ، وهو ما يعرف بـ “الخوة “، وقد ضمن هذا النظام للحضر حرية الحركة وسلامة قوافلهم التي تمر خلال المناطق التابعة للبدو ، في مقابل أن يحصل البدو على بعض المبالغ المالية أو التسهيلات المعيشية الأخرى ، وقد حقق هذا التحالف الذي كان يمثل رغبة حقيقية لدى الطرفين في قيام بناء حكومة أو وضع أساس لدولة ؛ لأن هذا الإجراء قد (حصر) الصراع والتعارض القائم بين الحضر والبدو إلى درجة كبيرة، كان هذا النموذج يشكل رغبة في بناء دولة تحقق للمنتمين إليها سبل الحياة الآمنة المستقرة ، ولكن في شكل بدائي جدًا .

وأما الناحية السياسية فقد كانت الجزيرة منقسمة إلى عدد من الإمارات والمشيخات، وكانت المشيخات قائمة على علاقات وأسس قبلية ، تعكس علاقات الخضوع والسيطرة بين الحضر والحضر ، والحضر والبدو ، والبدو والبدو ، وكان لرئيس القبيلة أو المشيخة سلطة كبيرة ذات طابع قضائي وسياسي واجتماعي ، وكان يساعده في ذلك مجلس استشاري ، لكن الأمر في النهاية بيده هو وحده ، لقد كان الولاء هنا للرجل هو الولاء للقبيلة ، ولا شيء سوى القبيلة ، وكان تعدد الولاءات أحد أهم عوائق قيام دولة ذات سيادة ، إنه من غير الممكن أو شبه المستحيل بزوغ دولة مركزية تشكل بؤرة ولاء بذاتها ، فالبنية القبلية من الناحية السياسية كانت تشكل حاجزًا منيعًا لقيام شكل حكومي ؛ بمعنى آخر كانت القبيلة بوصفها كياناً اجتماعياً وسياسياً نقيضًا لقيام دولة قومية حديثة في الجزيرة العربية بشكل عام ، وفي نجد وعسير بشكل خاص ، وما حدث من توحد في الجزيرة العربية وجمع قبائلها تحت لواء دولة واحدة كان ثورة كبيرة في جميع المستويات ؛ لأنها قضت على القبيلة الكيان السياسي الاجتماعي ، وحولت ولاء الأفراد من القبيلة إلى ولائهم إلى دولتهم الحديثة ، ومن المفيد هنا أن نلقي بعض الضوء على شخصية كل من الملك عبدالعزيز آل سعود ، والشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته الإصلاحية التي اتَّخذت الإسلام عقيدة وشريعة، وكيف حدث الاندماج بين دعوة الشيخ وهدف الملك في قيام كيان سياسي سمي فيما بعد بـ ” المملكة العربية السعودية ” .

الشيخ محمد بن عبدالوهاب والحركة الإصلاحية :

تمثل الدعوة السلفية التي تأسست على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب الأسس العامة التي قامت عليه فلسفة الحكم والسلطة في المملكة العربية السعودية ، وإلى وقتنا الحاضر كانت دعوته قائمة على تنقية العقيدة مما علق بها من شوائب الشرك والبدع وعلى وحدانية الله سبحانه وتعالى ، لقد كان المبدأ الأساس للدعوة هو العمل على التطبيق الفعلي لركن الإسلام الأول وهو الشهادة ، وعمليا استطاعت الحركة أن تمتد بجذورها في قطاعات المجتمع المختلفة عبر مبدأين إسلاميين أساسين ، وكان هذان المبدآن أفضل ما يطمح إلى تحقيقه من أهداف في الاستقرار والتوحد ، هذان المبدآن هما الواحدانيــــة والمســـاواة ، فأما الواحدانية في مفهومها الشرعي فهو أن هناك إلها واحدا لاتصـــح العبادة إلا له وحده ، وهي أن المرء لا يتعلــــق إلا بالله ولا يدعـو إلا إياه ، ولا يستعين ولا يتوكل إلا عليه . أما المبدأ الثاني وهو مبدأ المساواة فهو يرى أن انتماء الفرد إلى أمته الإسلامية مقدم على أي انتماء آخر من لون أو جنس أو قبيلة ؛ إذ الناس متساوون أمام الله وشريعته ، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح .

الملك عبدالعزيز بن سعود :

يمكن أن نجمل الصفات التي كان يتحلى بها الملك عبدالعزيز في سبع صفات أساسية تحدث عنها الكولونيل تي . أي . لورانيس في عام 1953م عندما كتب كتابه الشهير عن تجاربه في الجزيرة العربية وعنونه بــ ” أعمدة الحكمة السبعة “(3) ، لقد أسس الملك عبدالعزيز مملكته على أساس سبعة من الأعمدة التي كانت تتصف بها شخصيته، وأول هذه الأعمدة هو الدين ، وثانيها هو كرمه وعفوه ، وثالثها قدرته على الكتمان والسرية ، ورابعها شجاعته ، وخامسها قدرته الفريدة على الصبر والمثابرة ، وسادسها نزاهته وعدله ، وأما العمود السابع والأخير من أعمدة شخصية الملك عبدالعزيز فهو تلك الصفات التي تدخل ضمن قوة العقل ومتانة التفكير وعمقه ، وما يضاف إلى ذلك من صفات الحديث والبلاغة والمجادلة والخطابة وقوة الحجة وبراعة الإقناع ، وكانت له صلات كبيرة بمعظم بلدان العالم في ذلك الوقت بداية من الدول العربية والإسلامية إلى بريطانيا وأوروبا وأمريكا ، وكان لديه اهتمام خاص بقضايا وحدة الأمة العربية ومستقبلها ، وعلى رأس هذه القضايا قضية فلسطين التي هي قضية الأمة كلها .

لقد كانت دعوة ابن عبد الوهاب الإصلاحية تحتاج إلى رجل بقوة ابن سعود وحنكته السياسية والإدارية ، وكذلك هو كان في حاجة إلى عقيدة قوية تقنع الناس بها، وتجمعهم حولها ، فكان كل من الدعوة والملك مكملاً للآخر ، فإذا كانت دعوة ابن عبدالوهاب حق ، فلا بد للحق من قوة تحميه وتدافع عنه وتنشره بين الناس ، وكانت هذه القوة ممثلة في آل سعود التي تجددت في شخصية الملك عبدالعزيز أفضل تمثيل ، وحدث الاندماج بين الفكرة الإسلامية والرجال المسلمين ، وتمثل هذا الاندمـــاج في توطين البدو والنقلة التعليمية والدعوية .

يعتقد بعضهم أن فكرة التوطين كانت من أفكار الملك عبدالعزيز ، ويرى آخرون(4) أن الفكرة ليست من بنات أفكار ابن سعود ، ومن ثم فهو ليس صاحب الفكرة الأول ، وإنما كان هو أحد القيادات التي أثرت في تاريخ التوطين والدعوة والعلم ، وعليه فإن للملك عبدالعزيز أثراً لا ينكر في إبراز هذه الأفكار، وأثرها في تاريخ الدولة السعودية، إنه بالإمكان أن نقول : إن محاولات التأسيس عن طريق توحيد البدو قد بدأت منذ عهد أسلافه الأوائل ، وكان أساس الرباط الأول هو الأساس الديني ، وقد استطاع الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن يجمع حوله أعداداً كبيرة منهم ، مما أدى إلى انتشار الدعوة السلفية مع بدايات تأسيس الدولة السعودية ، غير أن الملك عبدالعزيز قد اهتم بالبدو ليس من الناحية الدينية فحسب ، وإنما نظر إليهم كقوة عسكرية جديدة تقوى بهم على منافسيه ، فبدأ يعتني بهم ، ويحسن أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ؛ وذلك عن طريق توطينهم في الهجر ، فكسب تأييدهم كما كسب ولاءهم بعد أن كان للقبيلة والعشيرة ، أصبح ولاؤهم إلى هذه المركزية الجديدة التي توفر لهم الأمن والحماية أكثر من غيره ، وتوفر لهم كذلك سبل العمل والكفاية ؛ لذلك فنحن نعتقد أن الملك عبدالعزيز قد منحها قوة وأهمية لم تكن تحققها من غير قيادته لها ، ومن غير أن يظهر لها الملك عبدالعزيز الذي أعطاها من ماله وقوته وخبرته الكثير والكثير ، وبالفعل فإن الملك عبدالعزيز استطاع بفضل هذا المشروع أن يجمع أكبر وأقوى قوة عسكرية في جزيرة العرب كانت لا تتوافر لدى غيره من حكام باقي أجزاء الجزيــرة العربية الذين كانوا يدعمون من قبل بريطانيا العظمى(5)، وبعد التنظيم وانتشار الدعوة وتطور التعليم لم تعد السلطة الفعلية على القبائل بيد شيوخها وإن ظلوا أصحاب سلطة داخلية في نطاق قبائلهم ، بل انتقلت إلى الحكومة المركزية في الرياض ، وأصبح الملك عبدالعزيز آل سعود الحاكم الفعلي والإمام الشرعي لجماعات البدو إلى جانب الجماعات الحضرية(6).

الموقـع والسـكان :

تقع المملكة العربية السعودية في الجنوب الغربي من قارة آسيا ، ولها حدود طويلة على البحر الأحمر ، كما أن لها حدودًا جغرافية مع الكويت والعراق والأردن واليمن وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة ، وترتبط مع كل جاراتها من الدول العربية بروابط قوية سواء من النواحي التاريخية أو الدينية أو الجغرافية ، وهي أشبه ماتكون بالقارة الكبيرة نظراً لاتساع مساحتها وكبر رقعتها ؛ إذ تبلغ مساحتها 2.240 مليون كيلو متر(7) مربع ، ويقارب عدد السكان وفق آخر الإحصائيات 17 مليون نسمة ، وإذا كانت كثافة السكان في المملكة تعد منخفضة إلى حد ما فإن معدل الزيادة السكانية في المملكة العربية السعودية يعد من أعلى المعدلات في العالم ؛ إذ يصل هذا المعدل إلى أكثر من 3% سنوياً ، وعموماً فإنه يمكن إجمال أهم الخصائص السكانية في النقاط الآتية :

1 – تتميز المملكة بقلة عدد سكانها ، وذلك بالقياس إلى مساحتها ، فهي شبه قارة واسعة مترامية الأطراف يسكنها عدد قليل من الناس .

2 – ارتفاع معدل الزيادة السكانية السنوي قياساً بالدول الأخرى ؛ إذ بلغ أكثر من 3% سنويًا ، وذلك يعود إلى أسباب دينية واجتماعية ؛ إذ يدعو الإسلام إلى زيادة النسل، كما أن الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية مما يجعل الشباب يقبلون على الزواج .

3 – ترتفــع نسبة الأطفال إلى إجمالي عدد السكان بالمملـــكة ؛ إذ تبلغ النسبة 45% (8) أطفال من الميلاد إلى سن 14 سنة ، وهي نسبة عالية بشكل واضح ، وهذا يؤدي في النهاية إلى انخفاض متوسط الأعمار في المملكة ؛ إذ يبلغ 23 سنة فقط ، وهذه النسبة من الأطفال تفرض مزيدا من الاهتمام عند صياغة خطط التنمية لكي يمكن توفير الخدمات المتنوعة سواء كانت صحية أو تعليمية أو اجتماعية أو غير ذلك .

خصائص المملــكة :

إن المملكة العربية السعودية وإن كانت دولة ذات إمكانات مادية إلا أنها لا تستمد مكانتها من مركزها المالي ، وإنما تستمد مكانتها من عقيدتها الإسلامية الصحيحة ، وقد ذكرنا أن المملكة تستمد خصائصهـــا العامة من خصيصتين أساسيتين ؛ هما العروبة والإسلام، بكل ما تحمل هاتان الكلمتان من معان ، ويمكن إجمال أهم خصائص المملكة في النقاط لآتية(9):

– المملكة العربية السعودية دولة إسلامية في المقام الأول ، يحكم الإسلام جميع جوانب الحياة  فيها ومجالات العمل لكونها مهبط الوحي ومنشأ الرسالة ، وتقوم على حراسة المقدسات الإسلامية حيث تهفو إليها قلوب أكثر من مليار مسلم من جميع أنحاء المعمورة ، وقد تشرف ولي الأمر فيها ، وأطلق على نفسه اسم “خادم الحرمين الشريفين” في إشارة مهمة إلى أن الحرمين الشريفين في مكة والمدينة في القلب والعين من قائد المسيرة ومن الشعب السعودي كله .

– أنها دولة عربية عريقه في العروبة ، وهي مركز الثقل في العالم العربي ، وهو عضو بارز وفعال في جامعة الدول العربية وفي منظمة المؤتمر الإسلامي ، وهي تعمل كل مافي وسعها من أجل توحيد كلمة العرب والمسلمين وإصلاح ذات البين وإحياء روح التضامن الإسلامي .

– دولة خليجية وعضو فعّال في مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وهي ترتبط مع جاراتها من الدول الخليجية والعربية الشقيقة بروابط خاصة .

– دولة بترولية أولى ، تحتل مكان الصدارة في منظمة الأوبك ، وبها ربع احتياطي العالم من البترول ، وهي توجه سياسة الطاقة توجيها متنزنا ، وبذلك فهي تعمل على تحقيق توازن في المصالح المشتركة بين الدول المنتجة للبترول والدول المستهلكة له .

– القيادة والشعب معًا يتفقان على أن الواجب المحتم هو الأخذ بالإسلام والعمل به والدعوة إليه والتضحية في سبيله ، وأن رفعة الأمة ومجدها وعزها كله في تمسكها بالإسلام في جميع نواحي الحيـاة سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ، كما أنها تسخـر كل إمكانياته الإعلامية والمالية والتقنية في تأكيد طبيعة الإسلام المتزن المعتدل وتعليمه والتعريف به سواء للمسلمين أو لغير المسلمين ، وأن العمل في سبيل الله فريضة محكمة وسنة متبعة وضرورة قائمة ، وهو ماضٍ إلى يوم القيام وإن اختلفت صوره وتطبيقاته بلا تفريط ولا إفراط ولا غلو أو تشدد أو تطرف .

– المملكة تأخذ بكل ما استحدثته العلوم والتقنيات المعاصرة من مختلف مصادرها ومواردها ، وقد خطت خطوات جبارة في سبيل الاهتمام بالعلم والعلماء والعلوم الكونية وغيرها وربطها بالإسلام تدريساً وتأليفاً ومنهجاً ؛ لكي يكون العلم في خدمة الإنسان وسعادته .

– أخيراً هي عضو بارز وفعال في هيئة الأمم المتحدة ، وهي تعمل على تحقيق السلام والأمن بين الشعوب وفق ما يفرضه التصور الإسلامي وليس وفق ما يفرضه التصور الغربي ؛ إذ الإسلام يدعو فيما يدعو إلى سيادة السلام والأمان بين البشر في جميع أنحاء العالم ، وهو سلام يقوم على العدل والمساواة واحترام الإنسان لأخيه الإنسان .

النظام السياسي والحكم والشورى :

المملكة العربية السعودية دولة إسلامية يحكم الإسـلام جميع جوانــب الحياة فيها ، دستورها القـرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وقد أشارت الوثيقة الأساسية للحكم والإدارة الصادرة عام 1345هـ أن الدولة السعودية دولة ملكيــة شورية إسلامية ، وقد أكد النظام الأساسي للحكم والصادر في 27/8/1412هـ هذا المبدأ ؛ فجاء في المادة السادسة منه : ( يبايع المواطنون الملك على كتاب الله وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ) ، وفي المادة السابعة منه : (يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وهي الحاكمة على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة) ، وفي المادة الثامنة : (يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية)(10) ، وهكذا يتأكد لنا أن النظام السعودي نظام إسلامي ليس من نوع الأنظمة المستبدة المطلقة من كل قيد، كما أنها ليست من نوع الأنظمة القانونية ، ذلك أن الحكومات والأنظمة القانونية تخضع في أحكامها وقوانينها إلى أحكام وقوانين وأنظمة يضعها البشر ، وهم متأثرون بأهوائهم وشهواتهم ، لذلك نجد أن القوانين التي يضعها البشر قابلة للتبديل والتعديل والحذف والإضافة إذا ما قضت بذلك أهواء البشر وشهواتهم ، أما أحكام القرآن فهي من عند الله ، وهي دائمة إلى الأبد لا تتغير ولا تتبدل مع أهواء الحكام أو أهواء المحكومين، وإنما تعدل بين الفريقين ، وتعرف لكلٍ حقه في حقوق العدل والمساواة  مع حفظ المصلحة الجماعية(11) ، على أن الشورى في الحكم الإسلامي لا تشبه في شكلها ولا نوعها ولا الغرض منها تلك الشورى التي تقوم عليها الحكومات النيابية ، صحيح أن نظام الحكم الديمقراطي يشبه نظام الحكم الإسلامي فيما يوجبه من قيام الحكم على العدل والمساواة وفيما يطلقه من حرية للعقل وللفكر غير أن نظام الحكم الإسلامي يختلف عن النظام الديمقراطي في أنه يقيد الحاكم والمحكوم بقيود تمنعهم من الانطلاق وراء شهواتهم ، وتحول بينهم وبين الظلم والطغيان أو اللهو الفساد ، وفضلاً عن ذلك فإن النظام الإسلامي لا يترك مقاييس العدالة والمساواة وغير ذلك من الفضائل الإنسانية لتقدير البشر ، فيوسعونها تارة ، ويضيقونها تارة أخرى ، وإنما يستمد مقاييس العدالة والمساواة والفضائل الإنسانية من القرآن الكريم وسنة المصطفى e اللذين هما دستور الحكم في نظام الإسلام .

وليس بين نظام الحكم الإسلامي في المملكة العربية السعودية وبين الأنظمة الدكتاتورية أي وجه من وجوه المشابهة ؛ فنظام الحكم في المملكة يقوم على البيعة والشورى وعلى أساس من الحدود والقواعد التي رسمها الإسلام في العلاقة بين الحكام والمحكومين ، وهي أمور غير متوفرة في الحكم الديكتاتوري .

وهنا نقول : إن نظام الحكم في المملكة العربية السعودية يستمد من الإسلام ، وهو نظام فريد لا يماثل الأنظمة المعاصرة ، وعلى من يحاول أن يزعم بأن نظام الحكم في الإسلام يماثل نظاماً معيناً من أنظمة الحكم المعاصرة عليه أن يعرف أن نظام الحكم الإسلامي نظام شوري ، والشورى غير الديمقراطية ، كما أن الدكتاتورية والشورى نقيضان لا يجتمعان(12).

النظام الاجتماعي :

الإسلام هو النظام الذي تستقي منه المملكة جميع شرائعها وتشريعاتها في جوانب الحياة المختلفة سواء كان هذا الجانب سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا،  وإذا كان للإسلام تشريعات كاملة وشاملة في مختلف نواحي الحياة فإن له أيضا تشريعات مماثلة في الجانب الاجتماعي ، ويمكن أن تبرز بعض صور الجانب الاجتماعي في المملكة من خلال تلك اللمحات السريعة :

– الأسرة هي نواة المجتمع السعودي ، ويربى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية وما تقتضيه من الولاء والطاعة لله ولرسوله ولولي الأمر ، وتقوم على أساس من الرضا والتعاون والتفاهم فيما يتعلق بالحقوق والواجبات سواء بين الزوج وزوجته أو الآباء وأبنائهم أو الأبناء وآبائهم .

– تحرص الدولة دائماً عبر وسائل رسمية وأهلية إلى تقوية أواصر الأسرة والحفاظ على قيمها العربية والإسلامية ورعاية جميع أفرادها وتوفير الفرص المناسبة لتنمية قدراتهم ومواهبهم ، وعلى كل فإن المجتمع السعودي يقوم على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى والتكافل فيما بينهم وعدم تفرقهم من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .

– المساواة في الحقوق والواجبات بين الجميع ؛ إذ لا فرق بين أبيض وأسود وكبير وصغير ورجل وامرأة في الحقوق الطبيعية لكل منهما ، مما يجعل المرأة في الغرب تغبط المرأة في المجتمع الإسلامي ؛ إذ إنها مصونة ومحترمة تعادل نصف المجتمع ، وهي التي تربي نصفه الآخر ، هي الأم والأخت والزوجة والبنت ، لقد جاء إكرام المرأة السعودية من إكرام الإسلام للمرأة وحمايتها وصيانتها ، والحفاظ على عفتها وكرامتها من الامتهــــان أو الاستغــلال ، ولا وجود للرق على أرض المملكة ؛ إذ لا رقيق اليوم ، إنما الناس جميعًا على أرض المملكة أحرار ؛ لأن أمهاتهم ولدنهم أحراراً ، والناس لآدم ، وآدم من تراب .

– وفيما يتعلق بالحجاب وعدم اختلاط الرجال بالنساء لقد استطاعت المملكة أن يكون لها أثر بازر في ذلك ، فالحجاب هو سمة المجتمع السعودي ، وكذلك عدم الاختلاط سواء في أماكن العمل أو الاحتفالات أو غيرها من الأماكن التي يكون من السهل اختلاط الرجال بالنساء ، وقد برز هذا كله في التعليم ونظمه من مراحلة الأولى حتى النهائية ، كل ذلك صيانة للمجتمع وللمرأة من كثير من البلايا والمصائب التي وقعت فيها بعض المجتمعات من جراء السفور والاختلاط ، والله هو الحافظ والواقي من كل سوء .

النظام التعليمي :

 تتفق الأدبيات الاجتماعية على أن النظام التعليمي جزء من نظام المجتمع العام ، بل هو من أهم أجزاء المجتمع المعاصر ؛ إذ إن كل نظام يوضع يجب أن يؤدي وظيفة في حركة المجتمع من الناحية الثقافية والحضارية ، والنظام التعليمي في المملكة العربية السعودية ليس بدعًا في ذلك ؛ فهو مرآة تعكس نظرة المجتمع إلى الكون والحياة والأشياء، وبذلك فإنه لا تعارض بين أهداف النظام التعليمي في المملكة ونظامها العام القائم على أساس فكرة حماية الدين والحفاظ عليه ونشره في ربوع العالم ، وعمومًا فإن النظام التعليمي في المملكة يؤدي وظائفه من خلال هدفين اثنين رئيسين ، هما :

– تكريس توجيه الطلاب والدارسين إلى التمسك بالعقيدة الإسلامية والحرص عليها والدعـوة إليها والتضامن في خدمة شريعـة الإســلام وتسخير كل الإمكانيـات الفكرية والعملية لبلورة العلوم المعاصرة في قالب إسلامي حضاري.

– النظام التعليمي في المملكة هو الرافد الأول لتأهيل وتخريج الكوادر العلمية والفنية المتخصصة في العلوم والتخصصات العلمية والفكرية المختلفة التي تقوم بوظيفتهــا في عملية التنمية التي يمر بها المجتمع ، لذلك نجد أن النظام التعليمي في المملكة قد تميز عن غيره من الأنظمة القائمة نذكر من ذلك التميز ما يأتي :

– الفصل التام بين الطالبات والطلبة في جميع مراحل التعليم المختلفة سواء في أطقم الإداريين والمدرسين والمعلمين ، أو بعض مناهج التعليم ؛ لأن المطلوب من نظام التعليم أن يؤهل الدارس لمهمته المستقبلية الموكول إليه القيام بها .

– تحقيق قفزات كبيرة جدًا في أعداد المتعلمين في مراحل التعليم المختلفة سواء في مرحلة التعليم العام أو الجامعي أو ما فوق الجامعي ، وكذلك في عدد المدارس والجامعات ومعامل البحث والتجريب ، كل ذلك يعود إلى الاهتمام الخاص الذي توليه القيادة السياسية لنظام التعليم وأثره ، وعلى رأس هذه القيادة الملك فهد بن عبدالعزيز الذي شهد حقل التعليم ثورة كبيرة أيام كان على رأس وزارة المعارف منذ ما يقرب من أربعين سنة تقريبًا .

ويمكن أن نرصد بعض مظاهر هذه الثورة في مجال التعليم بالنظر إلى النتائج التي حققتها الخطط التنموية خلال المدة من 1970–1990م ، وتتمثل في(13):

– زاد إجمالي عدد الطلبة والطالبات بجميع مراحل التعليم من خمسمائة وسبعة وأربعين ألف طالب وطالبة إلى أكثر من ثلاثة ملايين طالب وطالبة .

– زاد عدد المدارس بالتعليم العام من ألفين وتسعمائة وتسع وأربعين مدرسة إلى سبعة عشر ألف وأربعمائة وست وسبعين مدرسة .

– زاد عدد الطلبة والطالبات في الجامعات من ستة آلاف وخمسمائة إلى أكثر من مائة ألف طالب وطالبة .

– زاد عدد الطالبات في الجامعات من أربعمائة وأربع وثلاثين طالبة إلى ثلاثة وستين ألف طالبة .

– زاد عدد الجامعات من ثلاث جامعات إلى سبع جامعات .

– زاد عدد الكليات من ثماني عشرة كلية إلى تسع وسبعين كلية ، كل منها تعد جامعة مستقلة .

– زاد عدد المتدربين بمراكز التدريب المهني من خمسمائة وثمانية وسبعين إلى عشرة آلاف متدرب تقريبًا .

– زاد عدد مراكز التدريب المهني من خمسة مراكز إلى ثلاثين مركزًا .

وبذلك تتضح لنا حجم القفزة الكبيرة التي حدثت في مجال التعليم في المملكة ، ساعد في ذلك إيمان القيادة السياسية بأهمية العلم والعلماء والإنفاق السخي الذي حظيت به منشآت ومعاهد التعليم سواء من مدارس أو جامعات أو معاهد فنية وكلية خاصة بالتأهيل والتدريب الفني .

النظام الأمني :

من اليسير على الإنسان أي إنسان أن يدرك قيمة الأمن الذي يعيشه المواطن السعودي أو المقيم فيها إقامة مؤقتة ، وحين نعود إلى الوراء قبل نشأة المملكة العربية السعودية على يد مؤسسها الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ندرك مدى ما وصلت إليه جزيرة العرب من حـــروب واضطرابات بين غارات وغزوات ، وقطع طرق قبائل وعشائر بعضها على بعض ؛ لذلك فإن الأمن في المملكة العربية السعودية يشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام القيادة السياسية في البلاد والمواطنين ، ففي ظلال الأمن تنتعش الأمة وتنجح في تحقيق أهدافها الوطنية قصيرة الأجل أو طويلته ، وبدون الأمن وفي ظل اضطرابات وصراعات تتعثر الأمة في الوصول إلى أهدافها وتحقيقها ، وتفشل في تحقيق أي معدلات تنموية في أي مجال من المجالات الحيوية .

إن حياة المواطنين وجميع أنشطتهم وأعمالهم مرتبطة إلى حد بعيد بقضية الأمن ، فإن استقر الأمن أَمِن المواطنون على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، واتجهوا إلى الإنتاج والبناء والإعمار ، وإن اختل الأمن أصبحت حياة المواطنين في خطر ، وتعرضت مصالحهم ومؤسساتهم للخراب والدمار ، وأصيبت أنشطتهم وأعمالهم بالشلل والركود ، لذلك كان من نعمة الله على أهل الجزيرة نعمة الأمن { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } ، وسواء كان الأمن الداخلي أو الأمن الخارجي فإن الدولة تنظر بعين الاعتبار إلى الواجبات التي من شأنها ضمان أمن الفرد من الأخطار التي تهدده في داخل الوطن أو خارجه ، وكذلك تأخذ بشديد الاهتمام والرعاية الأسباب التي تؤمن الدولة وحدودها وصالحها من خارج  الحدود ، وقد باشرت الدولة بالفعل في بعض المشروعات التي تؤمن سلامة حدودها ومجالاتها الجوية والبحرية وتأمين وسائل الردع لأي عمل عدواني خارجي يستهدف أمن المملكة وسلامة أراضيها ، ومن ضمن هذه المشروعات ” درع الســــــلام ” ومشروع ” درع الجزيرة ” و” مشروع اليمامة ” ، ولعله من المناسب أن نذكر بعض مداخل النظام الأمني في المملكة العربية السعودية ولو بشكل موجز ومختصر :

– التمسك والالتزام بتطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة على مقاصدها وتحكيم الإسلام في كل شأن من شؤون الحياة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.

– الأمن لجميع المواطنين والمقيمين وليس لمواطن بعينه ؛ لأن الوطن وطن الجميع ، والأمن أمن الجميع ؛ لذلك وجب على كل مواطن أن يجعل من نفسه رجل أمن ، وعلى كل أن يبذل من وقته وجهده وفكره ما يزيد من أمن هذا الوطن داخليًا وخارجيًا .

– الالتزام التام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بين الناس بالصبر والخير حتى يعم المجتمع الأمن والأمان .

– التزام الاعتدال في كل شأن من شؤون الحياة ومواجهة مشكلات العصر بروح إسلامية واعية ومتفتحة وعاقلة ، والتوسع في فتح باب الحوار بين الحكام والمحكومين وبين المحكومين بعضهم ببعض حتى يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه، ويعين بعضهم بعضا فيما اتفقوا عليه .

المجتمع السعودي وخصائصه :

يعد مصطلح المجتمع من أكثر المفاهيم والمصطلحات شيوعًا من حيث الاستخدام في الحياة اليومية بين عوام الناس والعلماء الأكاديميين ، ومع ذلك فهو من أكثر المفاهيم حاجة إلى التعريف والتوضيح ، وبخاصة عندما يستخدم من قبل علماء الاجتماع والاختصاصيين ، ويذهـــب ” روبر ماكيفر ” و “شـــــارلز بيج ” في كتاب لهما بعنــــــوان ” المجتمع ” صدر عام 1950م إلى أن ” المجتمع يضم مجموعات من الناس يميزهم طابع اجتماعي معين ، يعبرون عنه بخلق التنظيمات الاجتماعية التي تمارس التوجيه والضبط لسلوكهم بطرق معينة “(14) ، وبذلك يشكل المجتمع في نظرهما نسقًا مركبًا من الإجراءات والخطوات والقوانين والسلطات المتبادلة بين الأفراد والجماعات لتحديد أنشطة الناس ووضع النماذج والسياسات التي يجب أن يلتزموها ليحققوا أهدافهم ، وبذلك يكون المجتمع ليس حشدًا من الأفراد فقط ، ولكنه اجتماع منظم له ظروفه التاريخية ونشأته التلقائية ، وتتدخل في تشكيله وتنظيمه الإرادة الواعية التي تحدد أوضاعـــه وفقًا لأحكام العقل الجمعي والشعور الاجتماعي للجماعة البشرية ، وذلك ما يجعله يختلف عن مفهوم المجتمع المحلي الذي يشير لمجموعة من الأفراد الذين يعيشون في بيئة محددة النطاق والمعالم ، ولهم تكوين مميز يحكمه تاريخ مشترك تمثله القرية أو المدينة أو القبيلة ، وعليه فإن المجتمع يضم في تكوينه نماذج اجتماعية محلية معينة قد تكون حضرية وريفية أو حضرية وريفية وبدوية ، ومن ثم فإن المجتمع أي مجتمع له متطلبات وظيفية أساسية هي التي تحكم وجوده وتحافظ على استمراره وبلوغه الأهداف المرسومة التي تتحقق من خلال تفاعل مؤسساته وتنظيماته التي يخلقها نشاط الأفراد والمجموعات فيما بينهم خلال عمليات التفاعل المستمر فيما بينهم .

ويعد المجتمع المحلي أحد الوحدات الأساسية للتنظيم الاجتماعي للمجتمع العام ، ويميز “ميريل” بين ثلاثة أنواع من المجتمع المحلي أطلق عليها:

1 – المجتمع الريفي .

2 – المجتمع الحضري .

3 – المجتمع الإشعاعي أو المتروبوليتاني .

ويذهب بعض العلماء إلى أن المجتمع المحلي هو مصطلح يشير إلى بناء اجتماعي يتسم بعلاقات ونظم لها طابع خاص مثل التشابه في التكوين وقوة العلاقة حيث تسوده الجماعات والعلاقات الأولية والتقاليد والقيم المحلية وأساليب الضبط الاجتماعي غير الرسمية(15) ، وهو يختلف عن المجتمع العام الذي هو أكبر وحدة في التحليل السوسيولوجي وهو أكبر وحدة من وحدات الحياة الاجتماعية إلى جانب أنه قد يحتوى على آلاف من المجتمعـــات المحلية ، ويضع “ماريون ليفي” في دراسة له بعنــوان ” بناء المجتمع ” أربعة معايير لكي نطلق على كل جماعة ما مصطلح مجتمع عام ، وهذه المعايير الأربعة هي :

1 – قدرة الجماعة على الاستمرار إلى مدى زمني أطول من أعمار أعضائها .

2 – قدرة المجتمع على تجديد ذاته عبر نظم التناسل والأفكار .

3 – توافر مجموعة من المعايير المشتركة المنظمة للاهتمامات والقضايا الاجتماعية .

4 – مدى قدرة المجتمع على تحقيق الاكتفاء الذاتي .

ويتحدث البعض عن المجتمع الجغرافي ، ويمكن تعريفه بأنه مجموعة من الناس لهم طابع حضاري مميز ، يعيشون في بقعة من الأرض لها حدودها الجغرافية يتفاعلون معًا ويعملون معًا لتحقيق رغبات وأهداف عامة مشتركة في إطار مؤسسات اجتماعية تحدد العلاقات بينهم وتعمل على إشباع حاجاتهم ؛ فالمجتمع وفقًا لهذا التعريف يكون عبارة عن :

أ  – جمع متفاعل من الناس .

ب– يعيشون معًا في بقعة من الأرض محددة المعالم .

ج – لهم أهداف مشتركة .

د – لهم نظم اجتماعية تحدد العلاقات بينهم .

وإذا نظرنا إلى المجتمع السعودي فإنه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الإسلامية ، وهو قلبها النابض يدين بالإسلام ويلهج بالعربية ، وهو جزء من المجتمع العالمي المعاصر، ولـه صلات مباشرة بالحضارة الإنسانية القديمة والمعاصرة، إلاّ أن له خصائص تميزه يعرف بها من بين سائر المجتمعات ، ويمكن إجمالها في الخصائص الآتية :

– وحدة الدين : فجميع أفراد المجتمع السعودي مسلمون ، يدينون بالعقيدة الإسلامية ، ولا سعودي لا يدين بالإسلام ، كما أن الشريعة الإسلامية هي أساس جميع القوانين والأحكام ومصدرها ، وهي التي تحدد الإطار العام لنظام القيم والأخلاق وفنون التعامل في المجتمع ، وقلما تجد مجتمعًا بهذه الخاصية ؛ إذ في أغلب المجتمعات المعاصرة أقليات دينية مختلفة وتشريعات وقوانين متعددة .

– وحدة اللغــة : فكمـا أن جميع أفراد المجتمع السعودي يدينون بالإسلام فإنهم جميعًا يتكلمون اللغة العربية ، وصحيح أنه يوجد داخل المجتمع السعودي لهجات محلية تختلف حتى بين أهل البادية بعضهم بعضا وبين أهل البادية والحضر إلاّ أن كل هـذه اللهجات إنما تنصب في مجرد نطق بعض الأحرف أو بعض الكلمـات ، وكل هذه اللهجات مشتقة من العربية أو متصلة بها ، واللغة العربية هي لغة المجتمع أجمع(16) .

– وحدة السمات الحضارية : ينفرد المجتمع السعودي ببعض السمات والأنماط الحضارية ذات الطابع الخاص به ، فهو مجتمع يعيش داخل الجزيرة العربية وله كيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فسمة الصحراء وطابع البداوة الذي يغلب على الكثير من أنماط حياته إلى جانب وحدة الدين ووحدة اللغة جعلت هذا المجتمع يتميز بسمات حضارية خاصة به تتضح في سلوك أفراده وأنماطهم الاجتماعية حتى في الزي والعادات والتقاليد وفي تصوراتهم الفكرية واتجاهاتهم نحو العديد من المواقف ، وإذا كان المجتمع السعودي قد استقبل كثيرًا من الوافدين وأصحاب الأنماط الحضارية الأخرى إلاّ أنهم قد تكيفوا مع مجتمعهم الجديد ، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من ضمير المجتمع السعودي ومستقبله وانتمائه الحضاري .

– الأسرة هي الوحدة الرئيسة في المجتمع السعودي : تدخل الأسرة في المجتمع السعودي دائرة الاهتمام الخاصة جدًا سواء كان في البادية أو الريف أو الحضر ، وتأخذ الأسرة هذه الأهمية الخاصة لكونها وحدة المجتمع الأولى المسؤولة عن إنجاب الأبناء وتربيتهم ورعايتهم وتوجيههم ، بدلاً من إيكال هذه المهمة إلى مؤسسات أخرى في المجتمع مثل المدرسة أو الجامعة أو سلطة الضبط ، وإذا وضح أن الأسرة في المجتمعات المعاصرة تقلص وظيفتها إلى حد كبير فإن الأسرة في المجتمع السعودي لا يزال لها أثر كبير في القيام بوظائفها في خدمة المجتمع ولكون ذلك أيضًا من صميم منهج التشريع الإسلامي في الناحية الاجتماعية .

التغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي وعواملها :

المجتمع السعودي جزء مهم من المجتمع الدولي يؤثر فيه ويتأثر به ، وله صلات مباشرة وقوية مع العالم الخارجي فرضتها العلاقات التجارية والاقتصادية والإعلامية والعلمية ، وقد انفتح المجتمع السعودي على المجتمع الدولي والعالمي انفتاحاً كبيراً ، فحدثت بعض التغيرات والتطورات في حياة المجتمع سواء على صعيد العلاقات الاجتماعية أو على مستوى الأسرة أو السكن أو سلوك الأفراد وتحولهم إلى سلوك استهلاكي تفاخري ومظهري ، ويمكن أن نرصد بعض هذه التغيرات كما يأتي :

ففي مجال العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبعضهم والأسر وبعضها تغلب النزعة الفردية والميل إلى الاستقلال سواء في ناحية المعيشة أو في الناحية الاقتصادية ، وقد برزت في هذا المجال نزعة عند المرأة خصوصاً في الاهتمام ببعض جوانب اللبس والزينة وحقها في اختيار الزوج وخروجها إلى العمل ، غير أن بعض الدراسات أثبتت أن نظرة الشباب السعودي تجاه الزوجة ما زالت متأثرة بالنظرة السائدة التي ترى أن الزوجة في المكانة التالية بالنسبة للزوج الذي له القوامة ، وأنها يجب أن تعمل في الأصل زوجة ومربية لأبنائها(17).

وفي مجال السلوك الفردي فقد حدث أن انفتح المجتمع السعودي على العالم الخارجي، سواء عن طريق السفر والسياحة إلى بلدان العالم المختلفة أو انتقال بعض الأجناس للعمل داخل المملكة إلى نوع من التطبيع بين السلوك الملتزم والمتزمت والمتسامح ، لكن ذلك له بعض الجوانب السلبية إذ جعل البعض يجفو ويفرِّط في بعض الواجبات ويكتسب عادات سيئة.

وفي الناحية الاقتصادية ؛ إذ  زادت حركة التجارة والاستثمارات وزادت معدلات الأرباح وكان للبترول وزيادة أسعاره أثر في زيادة معدلات الدخل مما أكسب البعض صفات الإسراف والتبذير ، والإنفاق الترفي في جوانب الاستهلاك المختلفة من ملابس ومأكولات ومشروبات يمكن الاستغناء عنها بسهولة ، ونحن هنا لا نتحدث عن الكرم الذي يتمــيز به المجتمع السعودي بوصفه مجتمعاً عربياً له باع كبير في تاريخ الجـــود والكرم ، ولكن نتحدث عن حالات الإسراف والتبذير الممقوتة التي تهدر فيها الأموال وتهلك بسببها الموارد .

لعل هذه كانت أبرز التغيرات التي حدثت في المجتمع السعودي سواء ما كان منها إيجابياً أو سلبياً .

بعض عوامل التغير في المجتمع السعودي :

التعليم :

يعد الجهد الذي بذلته حكومة المملكة العربية السعودية للنهوض بقطاع التعليم من النماذج الفريدة للإنجاز والتقدم ، ويستطيع أي منا أن يدرك ذلك بنفسه من واقع استعراض سريع لتاريخ التعليم في المملكة والوقوف على الوضع الراهن وعلى مبلغ التقدم الذي حققه هذا القطاع المهم ؛ ففي المرحلة السابقة اندلاع الحرب العالمية الثانية لم يكن للتعلــيم الرسمي وجـــود يذكر، عــــلاوة على تفشي الأمية بشكل خطير يكاد لا يكون له نظير في أي مكان آخر ، ولم يكن سكان المملكة الذين حصلوا في ذلك الوقت على قسط من التعليم الرسمي الحديث يعّدون بضع مئات ، ومع بداية الأربعينيات بدأ الاهتمام بقطاع التعليم بإنشاء المدارس ، وبلغ هذا الاهتمام صورة رسمية بإنشاء وزارة للمعارف في عام 1954م ، وكان على رأسها الملك فهد بن عبدالعزيز ، وأخذت مدارس تعليم البنين تنتشر بسرعة هائلة مما قفز برقم المئات المذكور سابقاً إلى مئات الآلاف بعد مدة وجيزة جداً ، بل بعد لمحة سريعة بالقياس إلى عمر التطورات الاجتماعية الواسعة النطاق ، وفي عام 1959م بدأ تعليم البنات ، وقام بالإشراف على تنظيم تعليم البنات هيئة مستقلة أطلق عليها الرئاسة العامة لتعليم البنات .

أما التعليم الجامعي فقد انطلقت إشارته الأولى بكلية الشريعة في مكة المكرمة ثم كلية الشريعة في الرياض ثم كلية اللغة العربية في الرياض ، وفي عام 1957م بإنشاء جامعة الملك سعود، ثم فيما بعد بدأت الدولة في الاهتمام بتعليم الكبار ومحو أميتهم ، ولا شك أن هذا التطور السريع في مجال التعليم كانت له آثار كبيرة في حياة المجتمع بعد ذلك إلى اليوم ، ومن هذه الآثار:

– برزت على السطح ظاهرة الهجرة إلى المدن ، فانسحبت نسبة كبيرة من العاملين في قطاعات الزراعة والرعي إلى العمل الوظيفي والإداري والمهني في المدن والمصانع الكبرى .

– أحدث التعليم تغيراً ملحوظاً في أوضاع المرأة سواء في نظر المجتمع أو في نظرتها لنفسها ، فأصبحت المرأة بعد التعليم قوة عصرية وقوة اقتصادية عن طريق نزولها إلى ميدان العمل وتزايد قدرتها على الإسهام في ميزانية الأسرة .

– كما أن التعليم قد أفاد المجتمع السعودي من ناحية قدرته على التعامل المباشر مع مستحدثات العصر في مجالات العمل والإنتاج والتقنية .

البـــــترول :

مع اكتشاف البترول في المملكة العربية السعودية وفي منطقة الخليج وإنتاجه اقتصادياً بكميات كبيرة أمكن التمييز بين مرحلتين من مراحل التطور في المملكة العربية السعودية؛ مرحلة ما قبل البترول ومرحلة ما بعد البترول، لقد كان لاكتشاف البترول وإنتاجه اقتصادياً آثار مهمة جداً سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً ، ويمكننا القول دون مبالغة : إن التعليم وظهور البترول كانا وراء هذه الانطلاقة التنموية الكبيرة في أرجاء المملكة العربية السعودية ، لقد كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية هما الركيزة التي اعتمدت عليها حكومات المملكة المتتابعة منذ ظهور الدولة السعودية على يد مؤسسها الأول الملك عبدالعزيز إلى وقتنا الحاضر .

لقد تطور اقتصاد المملكة من مجرد اقتصاد يعتمد في نسبة كبيرة جداً من موارده على بعض الرسوم والمنتجات الداخلية إلى اقتصاد بترولي قوي قادر على منح التنمية الاقتصاديــة دفعة قوية تعمل على التقدم في جميع المجالات من خلال خطط علمية للتنمية ، والواقع أن عائد البترول كان أساس التنمية في المملكة العربية السعودية ، بل إن ميزانيات خطط التنمية التي كانت تعتمدها الحكومة السعودية خلال المراحل السابقة كانت تتناسب طردياً مع عوائد البترول خلال مراحل الخطط .

ومن أجل ذلك يمكن أن يكـــــون ظهــــور البترول وزيادة عوائده وراء مجموعــــة من التغــــيرات حدثــــت في حياة المجتمع يمكن أن يذكرها سواء كانت هذه إيجابية أو سلبيـــــة(18).

بعض الجوانب السلبية للثروة البترولية :

– هجرة الأيدي العاملة والسكان من الريف إلى المدينة مما كان له أثره على الناتج من النشاط الزراعي وزيادة النشاط التجاري والاستثماري وزيادة الازدحام في المدن ، وقد كان انخفاض الناتج الزراعي في بداية الأمر ، ثم حدث زيادات كبيرة في الإنتاج الغذائي فيما بعد ، مثال ذلك الزيادة الكبيرة التي حدثت في محصول القمح وغيرها من المنتجات الزراعية الأخرى .

– ارتفاع الاستهلاك الترفي وزيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج .

وهذا وإن جاز في مراحل تنمية معينة فإنه في المستقبل يهدد ثروات الدولة جمعاء ، وبخاصة أن ثرواتنا من النوع القابل للنضوب ؛ فالاستهلاك الترفي ضار بالمجتمع مثل ضرره بالفرد حتى في الدول الغنية .

– أدى فتح أسواق جديدة للعمل داخل المملكة إلى بروز ظاهرة العمالة الوافدة ، بما قد يكون لها من آثار جانبية قد تضر بمستقبل البلاد لو لم تتدارك بتوفير عمالة وطنية مدربة والاعتماد على أبناء البلاد الموجودين بها بصفة دائمة.

– أدى ظهور البترول كذلك إلى زيادة الأهمية النسبية إلى منطقة الخليج مما جعلها منطقة مهمة في نظر عدد من دول العالم الذي يعتمد في اقتصاده على البترول .

بعض الجوانب الإيجابية للثروة البترولية :

– زيادة الرفاهية لجميع فئات المجتمع ودعم الاستقرار الاجتماعي في مواجهة التغيرات الاجتماعية السريعة .

– عوائد البترول هي التي مكنت الحكومة السعودية من الانطلاق بسرعة وبقوة لتحقيق التنمية الاقتصادية ، وتوسيع القاعدة الإنتاجية عن طريق تحويل الاقتصاد من معتمد على البترول فقط إلى معتمد على موارد أخرى .

– أن وجود البترول في المملكة مصدراً للطاقة يعطيها فرصة ذهبية للنهوض إنتاجياً واقتصادياً ، والاستثمار في مشاريع عملاقة وقوية من غير التعرض لتغيرات كبيرة جراء الاعتماد على مصدر طاقة خارجي ، وأخيراً فإن عائد البترول مهما قيل عنه فهو بمثابة أرصدة سائلة تتناقص قيمتها الحقيقية بمرور الوقت ، ولن تتجسد قيمتها إلا إذا ترجمت إلى مشروعات تنمية داخل البلدان البترولية ، وهذا ما أخذت به المملكة في خططها التنموية خلال السنوات الماضية واللاحقة .

العمالة الوافدة :

من اللافت للنظر أن النفط ظهر في بلدان من أهم مميزاتها أنها قليلة السكان، وغالب أراضيها من الصحاري الجرداء ، ويغلب على حياة معظم مواطنيها صفة البداوة والتمسك الشديد بالتقاليد مع عزلة عن العالم الخارجي ، لذلك تجد أن هذه الدول  التي ظهر فيها البترول قد احتاجت أن تستقدم بعض الأيدي العاملة من البلدان المجاورة للقيام ببعض الأعمال الفنية الضرورية مع أمل تعليم الأهالي وتدريبهم للقيام بهذه المهام فيما بعد ، ولكن بعد الزيادات الكبيرة من إيرادات النفط ووضع خطط طموحة جداً للتنمية داخل هذه البلدان وعدم مواكبة إعداد السكان لسد الحاجة إلى الأيدي العاملة زاد الاعتماد على الأيدي العاملة الوافدة(19).

وقد تضاف بعض العوامل الداخلية والخارجية لقبول فكرة استقدام العمالة الوافدة والاعتماد عليها في خطط التنمية .

ويمكن تقسيم العمالة من حيث الديانة إلى عمالة مسلمة وعمالة غير مسلمة ، ومن حيث اللغة إلى عمالة عربية وغير عربية ، وبالنسبة للعمالة العربية المسلمة كانت أكثر قدرة على التأقلم مع الأنمــــاط الثقافية السائدة في المملكة ، أمـــا غير المسلمة فإنها تعانـــي من عدم التأقلم مع الأنماط الثقافية السائدة ، وبخاصة في الأوقات الأولى لوصولهم ، وذلك بسبب غرابتها مما قد يسبب لهم بعض المواقف المحرجة أو بعض المشكلات القانونية .

وكأي ظاهرة فإن العمالة الوافدة كان لها آثار مهمة اجتماعياً واقتصادياً سواء مع المجتمعات الوافدة إليها أو المجتمعات الوافدة منها ، فأما آثارها مع المجتمعات الوافدة إليها فمنها :

– لقد قامت العمالة الوافدة بأثر في عملية التنمية والبناء ، وبخاصة في المراحل الأولى من سنوات التنمية ، واستطاعت الخطط التنموية الاستفادة من انخفاض أجور العمالة الوافدة في تشييد كثير من مرافق البنى التحتية من طرق ومبانٍ ومنشآت ، وهي لازمة حتماً لعمليات التنمية الحاضرة والمستقبلية .

– كان للعمالة الوافدة آثار على أذواق الناس في المملكة ؛ إذ انتشرت بعض الأكلات والوجبات والمطاعم الخاصة بالجنسيات المختلفة ، كذلك الملابس وأدوات الزينة الخاصة بالنساء .

– الملاحظ أن الوافدين ينافسون المواطنين في الحصول على بعض الخدمات المجانية من صحة وتعليم ، وبخاصة أن الخطط تبنى على أساس أعداد السكان الأصليين من غير أن تعطي للوافدين الحجم الحقيقي لهم نظراً لكونهم مواطنين مؤقتين .

– أدى الاحتكاك بالوافدين إلى اكتساب معارف وعادات وتقاليد ووجهات نظر متعددة ومتباينة وطرق تفكير مختلفة عما ألفه السكان ، ولعل أخطر الآثار تتمثل في نشوء جيل من الأبناء تربى على أيدي مربيات وخادمات من جنسيات مختلفة ، ويدينون بديانات مختلفة ما يجعل أبناء الجيل عرضه للضياع ، سواء من ناحية اللغة أو الديانة أو العادات ؛ فالطفل يصبح أمام ” خلط عجيب من كل هذه اللغات والديانات والعادات والتقاليد “، وليس من الصعب أن تجد طفلاً يتكلم جملة من ثلاث أو أربع كلمات فيستخدم في هذه الجملة ثلاث أو أربع لغات وهكذا .

وأما آثارها على المجتمعات الوافدة منها فتتمثل في :

1– الحصول على بعض المزايا المادية للوافدين في بلدانهم ، وهذا يساعد في خلق أنماط جديدة متعلقة بالعلاقات الأسرية وتربية الأبناء .

2– هجـــرة بعض العقول المفكرة والأدمغة المبتكرة التي وجدت فرصتها في تلك المجتمعات .

3– اعتماد كثير من الدول على التحويلات للعاملين بالخارج ودعم عمليات التنمية بهذه التحويلات .

ونظراً لأن الأقطار النفطية تتمتع بإعفاءات جمركية وسلع كمالية كالأجهزة والأدوات الكهربائية والإلكترونية والسيارات ، مما أدى إلى فتح الشهية الاستهلاكية عند العمالة وأحياناً نشوء سوق لإعادة تصدير هذه الأدوات إلى الأقطار القادمة منها .

وعلى كل فقد كانت العمالة الوافدة أحد أهم نتائج ظهور البترول ، وكانت كذلك أحد الدعامات المهمة لعمليات النمو والبناء خلال المرحلة السابقة ، والثابت أنها كانت لها آثار إيجابية وسلبية سواء على المجتمعات المستوردة لها أو المصدرة، والموضوع يحتاج إلى دراسة تفصيلية من عدد من المختصين ؛ لأنه يهم مستقبل المنطقة كلها ، وهي إحدى القضايا الاجتماعية  والاقتصادية التي يجب أن نوليها كثيراً من جهدنا واهتمامنا .

مستقبل المجتمع السعودي :

تقوم الحياة الاجتماعية عند الإنسان على أساس التفاعل الاجتماعي بين عدة أفراد، ذلك التفاعل الذي يؤدي إلى ظهور الثقافة الإنسانية في مختلف جوانبها سواء المادية كالمباني والملابس أو الثقافة غير المادية كاللغة والرموز المشتركة والمعاني المتفق عليها والقيم التي سعى الأفراد لتحقيقها والمعايير التي تحكم نماذج السلوك الفردي داخل الجماعة أو المجتمع ، وتتوقف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات والوقوف أمام مصاعب الوجود وإثبات ذاته والتأثير في الآخرين على مدى حيوية ذلك المجتمع والقيم والمعايير التي تحكمه وتنظم العلاقة بين أفراده حكاماً أو محكومين ، كما تكمن في قدرة المجتمع بمؤسساته وأفراده على التفاعل مع مستجدات الأحداث والتنبؤ بها وتسخيرها لمصلحته وقدرته على الاستفادة من تجارب الآخرين ، وبالنسبة للمجتمع السعودي فعنده من مقومات المستقبل الكثير ؛ فقد استطاع أن يتواكب مع حركة التنمية التي يمر بها في مجالات التنمية المختلفة ؛ إذ الملاحظ أن حركة التطور التنموي قد شملت مجموعة كبيرة من نواحي الحياة المعاصرة فشهد نهضة كبيرة على مستوى الأصعدة التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية من غير أن يفقد هويته الإسلامية والعربية ؛ إذ تشير الإحصاءات إلى تمسك الشباب السعودي بالدين باعتباره القيمة الحياتية الأولى له .

المجتمع السعودي يتميز بأنه مجتمع شاب ، 45% من السعوديين دون سن الخامسة عشرة ، وهؤلاء وإن كانوا يمثلون عبئاً في الوقت الحاضر على خطط التنمية لكونهم قوة غير فاعلة وغير منتجة ، إلا أنهم مستقبل هذا الوطن ، وأمله فيهم كبير ، هذا فضلاً عن دخول قطاعات كبيرة من النساء إلى مسيرات العمل الذي يناسب النساء من تدريس وتمريض وتطبيب ما يشير إلى قدرة المجتمع على الاستفادة بكل طاقة كامنة فيه .

وللمجتمع السعودي مستقبل واعد في المجال التعليمي ؛ فهذه الأعداد الكبيرة من الخريجين والخريجات في مراحل التعليم المختلفة وهذه التجهيزات اللازمة والضرورية للعملية التعليمية واهتمام القيادة السياسية بعملية التعليم باعتبارها حجر الزاوية في أي نهضة حضارية كل ذلك يبشر بمستقبل زاهر من تخريج كوادر علمية في مجالات مختلفة من العلوم التجريبية والتخصصية ، وقد مكن للمملكة في هذا المجال نهجها سياسة الابتعاث إلى الخارج حتى يواكب الدارسون نظريات العلوم الحديثة والمتطورة ولايكونوا بمعزل عنها .

– وبالنسبة للمستقبل الاقتصادي فإن المستقبل يحمل تفاؤلاً كبيراً للمجتمع السعودي ؛ إذ إنه يحتفظ بأكبر احتياطي بترول في العالم ، وقد استطاع خلال الخطط السابقة أن يشيد الكثير والكثير من مرافق البنية التحتية من طرق وجسور وموانئ ومطارات يصعب تصورها في خلال مدة قصيرة ، هذه البنى تستطيع أن تقبل أي معدل من النمو والتطور الاقتصادي ، وإذا كان معدل النمو الاقتصادي كبيراً فإنه أيضاً يتميز بالنمو الشامل في مختلف الجوانب ، فلا يطغى جانب على جانب ، ولا تطغى ناحية على ناحية ، ولديه من الأرض الزراعية مساحات شاسعة قابلة لإنتاج الاقتصادي ومشاريع المياه التي تروي هذه الأراضي حققت فيها المملكة نجاحات غير مسبوقة .

ما يفاخر به المجتمع السعودي – وحق له أن يفاخر – هو أمنه واستقراره ، إن  الأمن والاستقرار ضروريان جداً لعملية التنمية ؛ فبدون الأمن والاستقرار لا زراعة ولا صناعة ولا تجارة ولا تنمية ، وإنما خراب وضياع ودمار ، ولعله من المفيد أن نقول: إن السبب وراء هذه الصورة من الاستقرار وانخفاض معدلات الجريمة يرجع إلى التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء التي تضمن للناس الأمن على أرواحهم وعقائدهم وممتلكاتهم ما يعطي الأولوية والاهتمام بعد ذلك إلى العمل والإنتاج .

وخلاصة القول إن المجتمع السعودي قاد في المرحلة الماضية إصلاحات جبارة اقتصادياً واجتماعياً ، وهو مرشح أيضاً للقيام بإصلاحات كبيرة ؛ نظراً لأن عوامل الرخاء والتنمية يخدم بعضها بعضاً ويؤدي بعضها إلى بعض ، إنه مجتمع ثري بتراثه وحضارته ومجتمع قوي في تماسكه وبنائه الداخلي ، وعلاقات الأفراد فيه قوية ، كما أن الأرضية التي ينطلق منها – وهي الدين الإسلامي – أرضية دافعة إلى كل نهضة وإلى كل حضارة وإلى كل نمو .

المراجـــــع

  • بحث عن “توحيد الجزيرة العربية” دور الأيديولوجيــــة والتنظيم ، إعــــــداد . د. تركي الحمد – كلية العلوم الادارية – جامعة الملك سعود .
  • المصدر السابق .
  • توحيد المملكة العربية السعودية ، ترجمة الأستاذ الدكتور عبدالله الصالح العثيمين .
  • “ديكسون” الوكيل السياسي البريطاني في البحرين – عن كتاب الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز ،  أ.د. عبدالفتاح حسن أبو علية .
  • الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز ، أ.د. عبدالفتاح حسن أبو علية ، مطبوعات دارة الملك عبدالعزيز 1976م .
  • المصدر السابق .
  • دراسات في جغرافية المملكة العربية السعودية ، د. عمر الفاروق .
  • دراسات في المجتمع السعودي ، د. السيد علي شتا .
  • في آفــــاق التربية الوطنيــــة في المملكة العربية السعودية، أ.د. سليمان عبدالرحمن الحقيل 1414هـ/1993م.
  • وثيقة النظام الأساسي للحكم – صادرة عن غرفة تجارة الرياض .
  • أ.د. سليمان عبدالرحمن الحقيل . مرجع سبق ذكره .
  • المصدر السابق .
  • المصدر السابق .
  • دراسات في المجتمع السعودي . مرجع سبق ذكره .
  • المنهج الإسلامي في دراسة المجتمع . دراسة في علم الاجتماع الإسلامي ، أ.د. نبيل محمد توفيق السمالوطي . دار الشروق جدة 1406هـ/1985م.
  • المجتمع العربي السعودي ، الدكتور عبدالله صالح البنيان ، دار المعرفة السعودية للطباعة والنشر والتوزيع .
  • الشـــــباب والتنميـــــة في المجتمـــــع السعودي – دراسة ميدانية لطلاب ، جامعة الملك عبدالعزيز د. إسماعيل علي سعد دار المعرفة الجامعية 1409هـ/1989م .
  • عائد البترول والتغيرات المصاحبة له في المجتمع السعودي ، ثروت محمد شلبي .
  • بحـــــث “الآثار الاجتماعيـــــة والاقتصاديـــــة لهجـــــرة العمالـــــة الأجنبيـة إلى البلدان النفطية”، أ.د. أبو بكر أحمد باقادر .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *